ابن أبي الحديد

10

شرح نهج البلاغة

فأما مدحها له وثناؤها عليه ، فإنما كانا عقيب علمها بانتقال الامر إلى من انتقل إليه ، والسبب فيه معروف ، وقد وقفت عليه ، وقوبل بين كلامها فيه متقدما ومتأخرا . فأما قوله : لا يمتنع أن يتعلق باخبار الآحاد في ذلك لأنها في مقابلة ما يدعونه مما طريقه أيضا الآحاد ، فواضح البطلان ، لان إطباق الصحابة وأهل المدينة - إلا من كان في الدار معه على خلافه ، فإنهم كانوا بين مجاهد ومقاتل مبارز ، وبين متقاعد خاذل - معلوم ضرورة لكل من سمع الاخبار ، وكيف يدعى أنها من جهة الآحاد حتى يعارض بأخبار شاذة نادرة ! وهل هذا إلا مكابرة ظاهرة ! فأما قوله : إنا لا نعدل عن ولايته بأمور محتملة ، فقد مضى الكلام في هذا المعنى ، وقلنا إن المحتمل هو ما لا ظاهر له ، ويتجاذبه أمور محتملة ، فأما ما له ظاهر فلا يسمى محتملا وإن سماه بهذه التسمية ، فقد بينا أنه مما يعدل من أجله عن الولاية ، وفصلنا ذلك تفصيلا بينا . وأما قوله : إن للامام أن يجتهد برأيه في الأمور المنوطة به ، ويكون مصيبا وإن أفضت إلى عاقبة مذمومة ، فأول ما فيه أنه ليس للامام ولا غيره أن يجتهد في الاحكام ولا يجوز أن يعمل فيها إلا على النص ، ثم إذا سلمنا الاجتهاد ، فلا شك أن هاهنا أمورا لا يسوغ فيها الاجتهاد ، حتى يكون من خبرنا عنه بأنه اجتهد فيها غير مصوب ( 1 ) ، وتفصيل هذه الجملة يبين عند الكلام على ما تعاطاه من الاعذار عن إحداثه ( 2 ) على جهة التفصيل . * * * قلت : الكلام في هذا الموضع على سبيل الاستقصاء إنما يكون في الكتب الكلامية المبسوطة في مسألة الإمامة ، وليس هذا موضع ذاك ، ولكن يكفي قاضى القضاة أن يقول :

--> ( 1 ) كذا في الأصول ، وفي كتاب الشافي : ( غير مصدق ) . ( 2 ) الشافي : ( في أحداثه ) .